ميرزا جواد آغا الملكي التبريزي

185

المراقبات ( أعمال السنة )

أعلى من كلّ عال ودعاؤه بدون إذنه مخالف لخضوعه . وإذنه بل طلبه إلى دعائه إنّما ثبت بقوله تعالى : * ( وإذا سَأَلَكَ عِبادِي - إلى قوله - فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي ) * ( 1 ) وإنّ الطلب الحقيقيّ لا يتحقّق إلا للخير الواقعي ، والعبد لا يعرف خيره من شرّه كما قال تعالى : * ( ويَدْعُ الإنسَانُ بِالشَّرِ دُعَاءَهُ بالخير ) * ( 2 ) وإن كان الخير الحقيقيّ الخالص من جميع وجوه الشرّ منحصرا في قربه ولقائه ، قال في مصباح الشريعة : « وهو استجابة الكلّ منك للحقّ وتذويب المهجة لمشاهدة الربّ ، وترك الاختيار جميعا » ( 3 ) فعلى الداعي أوّلا أن يلتفت بأن يكون دعاؤه خيرا ولا يدعو اللَّه لما هو شرّ له وضرر في حقّه ، وأن لا ييأس من إجابته من دعواته إذا لم يظهر آثار الإجابة ، لاحتمال أن يكون ما طلبه في دعائه شرّا له ، فيبدّله اللَّه بخيره ، وهو لا يعلم ذلك ، ولا يسيئ ظنّه بوعد اللَّه الصادق الوعد للإجابة . ولعمري إنّ هذا هو السرّ فيما يتراءى ظاهرا من عدم استجابة دعاء الأخيار واللَّه تعالى وعدهم صريحا الإجابة ، وذلك لأنّ اللَّه تعالى في غاية العناية لعباده الصالحين وعنايته إنّما تقتضي أن يمنعه عمّا يضرّه واقعا وإن كان يعتقد فيه خيره وسعادته ، وهذا نظير قتل خضر عليه السّلام الغلام ، فإن فرض أنّ أبويه من جهة جهلهما كانا يعتقدان خيرهما في بقاء ولدهما ، ودعوا اللَّه في ذلك واللَّه تعالى يعلم أنّ في بقائه كفرهما وهلاكهما ، فإن إجابة دعائهما لبقاء ولدهما إنّما هو في قتل ولدهما

--> ( 1 ) البقرة : 186 . . ( 2 ) الإسراء : 11 . . ( 3 ) مصباح الشريعة : 132 - 133 . .